شعار ناشطون

سهيل سامي نادر في وجوهه العديدة

07/03/24 09:25 am

<span dir="ltr">07/03/24 09:25 am</span>

لم يستخدم هاشم مطر في تقنية كتابه المعنون “قطوف التجربة” الفصول المألوفة، والمتعارف عليها في النقد، وتشكل نقلات نوعية في تناول موضوعة سهيل سامي نادر بوجوهه المختلفة فناً ونقداً وصحافة، وإنما المباحث الفكرية والجمالية، أو ما سمّاه بالوجوه. وجوه سهيل سامي التي جاءت متنوعة، وغنية، يصعب فصل تأثيراتها على سهيل الإنسان قبل المثقف بأي حال من الحال.

 

سهيل سامي نادر المقيم في العراق سابقاً، والمهاجر في الغربة لاحقاً. ويقول الباحث هاشم مطر إنه سيضع واحداً من مهندسي الثقافة العراقية في النصف قرن السابق تحت مجهر الفحص، والتأويل، من أجل الوصول إلى رسم صورة الهوية العراقية، بأطيافها، ورائحتها، وذبذبات ذراتها المليارية وهي تطفو على بحار الدم والعنف والموت، حرفيا لا كناية أو تأويلا.

 

إنه، أي سهيل، يظهر بأكثر من تجلٍّ ثقافي. الناقد التشكيلي المرموق المعاصر للحركات الفنية منذ الستينيات حتى اليوم. والروائي الذي أصدر روايتين هما “التل” وهي عن رحلة تنقيبية لمجموعة آثاريين في مناطق ديالى بحثا عن الماضي، حيث يفلسف سهيل مفهوم الماضي والحضارات القديمة. بينما عالجت رواية (14 تموز) الحاضر الممتد منذ السبعينيات وحتى السنوات القريبة للأشخاص، ومن ضمنه حياة الراوي حين غادر بلده حاملاً إرث أصدقائه كلهم. في حين تجلت في الكتاب المقدرة الصحافية لواحد من أهم الكتاب الذين شغلوا الوسط الإعلامي والسياسي والثقافي بأعمدته، وطريقة تحريره للمادة، وزاوية النظر التي يحدق منها.

 

عمل سهيل في أكثر من صحيفة عراقية، وكان آخرها جريدة “المدى”. وهو ابن البيئة البصرية والبغدادية، وهما أكبر حاضرتين تشفّان بوضوح عن التقاليد والحركات الثقافية والفنية والصراعات في المدارس، والأفكار، والحركات السياسية. لقد أرشيف الثقافة العراقية منذ الستينيات، وله علاقة متينة بالسياسة، كصحافي ومعارض اختطف ذات يوم بعد الاحتلال وكاد أن يقتل.

 

رؤية الناقد هاشم مطر لتلك الأوجه كلها تناغمت في كتابه مع تلك المنعطفات، والتعرجات، والقفزات الحياتية في حقل التاريخ العراقي الملغوم. وكانت لغة هاشم قد جاءت موحية حيناً، مجنّحة تأويلية في معظم الأحيان. فبعد مقدمة المعماري المعروف د.خالد السلطاني للكتاب، وهو صديق قريب لسهيل سامي نادر يتقاسم معه النقد الفني والحرفنة المعمارية والتشكيلية، يعمد هاشم إلى وضع عناوينه الغريبة للفصول، وهي مأخوذة من مفاهيم وضعها سهيل في مقالاته، ونقوده، وكتاباته الروائية. على سبيل المثال: انقباضات النص، داخل الحس، الأسئلة، رؤية الموت في الحياة، الصداقة، الغروب النحيف، وهو عنوان مستوحى من ديوان للشاعر الراحل وليد جمعة، الشاعر من جيل الستينيات العراقي الذي عاصره سهيل، وشاركه معاناته وقيمه. كذلك، مهنة أخرى، اللوحة والكلمة، بغداديات النثر، الرسم العراقي اليوم، وغير ذلك من عناوين التقطها هاشم من مقالات وأعمدة وأفكار تنتمي لسهيل سامي نادر خلال مسيرته الأدبية والحياتية التي صارت تقارب الثماني عقود.

 

وتتواتر أفكار الكتاب من استلال فكرة من جملة، أو مثل شعبي، أو رأي عارض من مقالات سهيل النقدية وروايتيه وسيرته. ثم يأتي البناء على تلك اللقطة في تفسير روح سهيل، وفكره، وتمرده، وشهادته على عصره الذي عاشه منذ نهاية الجمهورية الأولى وحتى الاحتلال الأميركي.

 

يقول هاشم مطر إن حجمه ضئيل كرجل، لا يتناسب مع فولكلور عراقي يمجد الضخامة والقوة. لذلك يمكن أن يمحق في التسونامي العراقي كأي بعوضة يتلذذ بقصعها رجل الدين، وشيخ العشيرة، والعميل لدولة أجنبية، والمسلح المستقوي بجماعته الذي كان لصا وتحول إلى وطني وديني وطائفي. كل ذلك لا يتناسب مع وجود سهيل الناقد، والصحافي، والروائي والمعارض لتفاهات مجتمع على طول الخط، وبامتداد عقود من المسيل العراقي الأحمر.

 

يمارس هاشم مطر بلا شك نقداً تجريبياً إن كان المصطلح يصح هنا، لا يحكمه منهج في النقد ولا سياق حول الشخصية موضوع النقد أو الفحص. ويستجمع للأمر كل رصيده المعرفي، المنفلت، الطليق مثل فرس في برية، كي يضع تجربة سهيل سامي نادر تحت مجهره الدقيق، ممتلئا بالتوق للوصول إلى بروتونات نقده التشكيلي، ونيوترونات خياليه الروائي، ونواة روحه العراقية التي طردت من جنتها كما طرد آدم مع حوائه ليتحمل وزر البشر الخطاة في نظر إله خرافي عاش ذات يوم في مملكة سومر وبابل وآشور، وديانات بلاد الرافدين التي تسيّدها ذات قرن ماني البابلي الذي آمن بصراع النور والظلام. ذلك الصراع الأبدي الممتد بين البصرة وصحراء سامراء، مرورا ببيداء الدجيل وما جاورها شمالا، حتى الوصول إلى طاووق، وداقوق، وكركوك.

تابعنا عبر