نايف عازار – نداء الوطن
بدأت طبول الحرب الأميركية على «إيران النووية» تُقرع بقوة في الآونة الأخيرة مع انطلاق العدّ التنازلي لمهلة الشهرين التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لطهران للتوصّل إلى اتفاق نووي جديد، وتغليب لغة العقل والمنطق التي تعود بالنفع في آن على استقرار الشرق الأوسط والعالم، وعلى نظام الجمهورية الإسلامية المترهّل، والشعب الإيراني المترنّح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الأميركية والغربية المؤلمة.
وإذا كانت طبول الحرب تُقرع بين قائد سفينة «العمّ سام» و»نظام الملالي» وربّما باتت وشيكة، فإن حرباً أخرى هي مندلعة فعلاً في اليمن ويصل صدى هدير مقاتلاتها المرعب إلى «مسامع» صنّاع القرار في طهران، إذ يتلقى الحوثيون ضربات أميركية غير مسبوقة ستنتهي حتماً بإعطاب جماعة «أنصار الله»، وهي إحدى أبرز الأذرع الإيرانية المتبقية على قيد الحياة في المنطقة.
وبدا لافتاً ما كشفته في الساعات الأخيرة صحيفة «تلغراف» البريطانية نقلاً عن مسؤول إيراني وصفته بالرفيع، عن أن بلاده أمرت عناصرها العسكرية بمغادرة أرض اليمن الملتهبة، لتكون بذلك الجمهورية الإسلامية ربّما تخلّت عن الحوثيين، في أحلك أيامهم، وذلك درءاً للمواجهة العسيرة مع إدارة ترامب، لأن ما يحصل في اليمن هو «بروفا» حية ومصغّرة لما يمكن أن تشهده إيران، في حال نفاد صبر الرئيس الأميركي القليل أصلاً، فترامب «رجل الأعمال المتقلّب» يتعامل مع الملفات الدولية الشائكة بقليل من الصبر وكثير من التهوّر السياسي، في مقابل إيديولوجية فارسية إسلامية تمتاز بصبر طويل لا حدود له، فحكّام طهران يحيكون المفاوضات مع الدول الغربية والولايات المتحدة تحديداً كما كان يحيك أسلافهم السجاد الفارسي منذ آلاف السنين وما زالوا.
حرب من دون نار
لن يألو الرئيس الأميركي جهداً دبلوماسياً في تعاطيه مع إيران ويطمح إلى إبرام اتفاق نووي جديد معها يحمل بصماته وشروطه المحكَمة، لكنه في الوقت عينه يضع على الطاولة العتاد الجوي والبحري وعدة الحرب التي باتت جاهزة في المنطقة وينقصها فقط «الضغط على الزناد» وإدارة محرّكات المقاتلات الأميركية العملاقة الجاثمة في القواعد الأميركية في المنطقة، وعلى متن حاملات الطائرات.
ومن البديهي أن يجهد ترامب لتغليب كافة السبل الدبلوماسية واستنفاد سياسة العقوبات الاقتصادية القصوى، والتي هي «حرب من دون نار»، قبل ركونه إلى آلة الحرب، رغم دفع حليفته إسرائيل وحكومتها اليمينية المتطرّفة في اتجاه الخيار العسكري، فحسابات الولايات المتحدة «متسيّدة العالم» في المنطقة، والتي تتعامل مع ملفات دولية عديدة شائكة، تختلف عن حسابات «شقيقتها الصغرى المدلَّلة» إسرائيل، فلواشنطن مصالح وعلاقات تاريخية مع الدول العربية والخليجية تحرص على سلامتها وديمومتها، بينما تل أبيب تمضي في جنونها، خصوصاً بعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول، وتعتبر أنه بعد ضرب وكلاء إيران في كلّ من لبنان وسوريا وغزة واليمن، حان أوان ضرب الأصيل المتمثل بإيران «رأس الأخطبوط»، بعد تقطيع أذرعه.
سياسة توزيع الأدوار
فيما بلغت المواقف الأميركية والغربية الملوّحة بـ «عصا» الخيار العسكري ذروتها في الأيام الأخيرة، حرصت الجمهورية الإسلامية على انتهاج «سياسة توزيع الأدوار»، فبينما توعّد المرشد الأعلى علي خامنئي وهو الحاكم الفعلي لـ «بلاد فارس»، بالردّ على أي هجوم يستهدف بلاده، مكرّراً أسطوانة عداوته لـ «الكيان الصهيوني السرطاني» ولـ «الشيطان الأكبر»، أكد الرئيس مسعود بزشكيان لنظيره الأميركي عدم تهرّب بلاده من المفاوضات، وأن من يُحدّد مصيرها هو السلوك الأميركي.
ويبقى السؤال هل ستفلح سياسة إيران في «التفاوض على حافة الهاوية» في إبعاد «كأس الحرب المرّة» عن شعبها المنهك، وفي إبرام اتفاق نووي جديد «يحفظ لها ماء الوجه» ويحرّر اقتصادها المتهالك من العقوبات، ويطمئن في الوقت عينه واشنطن بأن طهران لن تلجأ إلى صنع قنبلة ذرية والذي بات الطريق إليها قصيراً؟ أم أن السيناريو العسكري الأسوأ سيقع لا محالة، لتطال شظايا ارتداداته المزلزلة المنطقة برمّتها؟