
سحر ضو – اللواء
يعود لبنان مجدداً إلى دائرة الجدل مع قراره تسليم السجناء السوريين إلى دمشق، خطوة تثير تساؤلات جوهرية حول أولويات الدولة في ظل اختلال واضح في موازين العدالة. فبينما تعاني السجون اللبنانية من الاكتظاظ ويفترض أن تكون هذه الخطوة جزءاً من حل شامل، يبرز التناقض الصارخ في التعامل مع مواطنيه الذين يقبعون في السجون لسنوات من دون محاكمة، متجاوزين كل المهل القانونية التي ينص عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية. هذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية حول ما إذا كانت الدولة تطبق القانون بناءً على مبادئ العدالة والمساواة، أم وفق حسابات سياسية وانتقائية واضحة.
في بلد يشكو نظامه القضائي من التعطيل والتسييس، يبدو أن السرعة التي أُنجزت بها هذه الخطوة تعكس نمطاً مألوفاً من تلبية المطالب الخارجية على حساب الملفات الوطنية العالقة. فالمادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تحدّد سقفاً للتوقيف الاحتياطي، باستثناء بعض الجرائم الكبرى، ورغم ذلك، لا يزال مئات اللبنانيين محتجزين بلا محاكمة، فيما يتم تبرير الإجراء الأخير بضرورة الحد من الاكتظاظ، وكأن الحل يقتصر على تسليم الأجانب، بينما يُترك المواطنون لمصير مجهول في ظل غياب أي إصلاح جديّ.
هذا التباين في النهج الرسمي ليس جديداً، فقد ظل ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية غائباً عن الأولويات الرسمية رغم المطالبات المتكررة على مدى عقود. ورغم أن التنسيق مع دمشق بدا ممكناً في قضية السجناء السوريين، فإن الدولة لم تُظهر الجدية ذاتها في المطالبة بالكشف عن مصير مفقوديها أو في الضغط لاستعادة الصحافي سمير كساب، الذي لا يزال اختفاؤه يلفّه الغموض وسط صمت رسمي. هذه المفارقة تطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت الدولة قادرة على الدفاع عن حقوق مواطنيها، أم أنها لا تتحرك إلّا استجابة لإملاءات خارجية.
البُعد القانوني في هذه القضية لا ينفصل عن جوهر السيادة الوطنية. فالمبدأ البديهي للعدالة يقتضي أن يكون تطبيق القانون متساوياً على الجميع، وأن تكون القرارات نابعة من مصلحة الوطن لا من اعتبارات سياسية ظرفية. الدولة التي تسرع إلى تنفيذ طلبات الخارج بينما تعجز عن تحقيق العدالة لمواطنيها، تعيد تأكيد واقع مؤسف بأن استقلالية القرار لا تزال خاضعة لحسابات تتجاوز حقوق المواطن. العدالة لا تكون انتقائية، والسيادة لا تُختزل في الشعارات، بل تُمارَس في الداخل قبل أن تُترجَم في العلاقات مع الخارج.